17-03-2022

الفلسفة و السينما

 

ملخص

عندما بدأ دولوز بعرض دروسه حول موضوع السينما، و ذلك، في مستهل العقد الثّامن من القرن الماضي، كان يرمي من وراء ذلك، بث روح فلسفية في أروقة السّينما ، فالاشتغال بهذا الموضوع، بالنسبة لفيلسوفنا، لا يخرج عن نطاق إشكاليّة أساسيّة، هي إشكاليّة صورة الفكر، و المنبثقة عن لحظة تدبر للزوج الصورة- الحركة ، و الزّوج الصّورة-الزّمن؛ حتّى يتسنى مرة أخرى جديدة، تكريس المبدأ الدّولوزيّ و القائل بأنّ الفلسفة منتهاها المراد هو صناعة مفاهيم، و مسعاه من وراء البحث في ميدان السّينما، هو خلق مفاهيم سينمائية، و الدّروس السّت الأولى، هي أقرب إلى أن تكون ورشة، تتزاحم الأفكار في ذهن الفيلسوف، كأنّها صور يراها الرائي أمواجا تتلاطم متزاحمة، موجة تركب موجة، و يمضي الفكر على هذه الصّورة باندفاع صوب أكثر استزادة في الفهم لما تكون عليه السّينما و لما تصيره، في كلّ حين، يطرأ فيه جديد، يجلبه سينمائي أبدع في الصّورة و ارتقى بها إلى مصاف الفكرة ، والّتي تُرى رأي العين، حتى ليمكن القول أنّ العقل، قد أضحى، و الحال هذه، آلة تصوير – كاميرا- من نوع خاص، و -الكاميرا- عقل أو عين تعي. كُثر هم أهل الفن السّابع، الذين سعوا بهمّة كبيرة إلى تقديم صورة إلى المشاهد، تضاهي الفكرة الفلسفية، و تهبها زخما كبيرا، و تقلّص المسافة بين التّدبر الفلسفيّ الخلاّق، و الإنتاج السّينمائي المُعبّر، و  من ثمة، استحق هؤلاء أن يلقبوا هم أيضا – و على طريقتهم الخاصّة- بالفلاسفة من نوعية خاصّة، لم يعهدها  الفكر، و في هذه الدّروس الأولى يقترح علينا دولوز بعضا من هؤلاء، الّذين أبدعوا و تركوا بصمات واضحة في المجال السّينمائي، و أبانوا عن قدرة فائقة في التّحكم، و ذكاء منقطع في تأليف صور، متى شاهدها المشاهد الحذق عَلِم و عرف أنّه أمام أفكار، قد ضمتها مصنفات فلسفية في عهود قد خلت، و مصنفات أُخر مواكبة لبروز الصّورة السّينمائية، و لعل الرعيل الأوّل من السّينمائيين لخير دليل على ما نزعم، و بمقدورنا أن نذكر أسماء لمخرجين اقترحوا مقاربات سينمائية مختلفة، فعلى الصّعيد الفرنسيّ طغت المقاربة  الكميّة، و للتمثيل، و تقريب الفهم، قد نذكر المخرج الفرنسيّ آبل كانس، ممثلا، من خلال فيلمه la roue ، أيّ العجلة[1]، و على الصّعيد الألمانيّ سادت المقاربة العضوية، و للتمثيل، و تقريب الفهم،قد نذكر المخرج  الأمريكي تجنسا، القادم من خلفية ثقافية ألمانيّة، أعني، سترويهام، من خلال فيلمه المفترسون، les rapaces[2]، بينما على الصّعيد الرّوسيّ عمت المقاربة الجدليّة،  و للتمثيل، و تقريب الفهم، نذكر المخرج السّوفياتيّ آيزنشتاين، من خلال فيلمه مدمرة بوتمكين[3] . و يصعب علينا مغادرة هذه المرحلة التأسيسيّة أو التأثليّة، دون ذكر المخرج المبدع، لوبيتش، و ما قدّمه من إسهام، و إضافة نوعية، و تحديدا فيلمه الرّائع، الرّجل الّذي قتلته[4]، و المقتبس من مسرحيّة  الرّوائي الفرنسيّ موريس روستان. و لمّا وضعت الحرب العالميّة الثّانية أوزارها، كان لزاما أن تظهر سينما جديدة، تُواكب مرحلة جديدة تعيشها الإنسانيّة، برزت السينما الإيطاليّة، فلمعت أسماء، كالمخرج مايكل أنجلو أنطونينو ، من خلال فيلمه  الصّحراء الحمراء، مثلا، II deserto rosso[5]، و سينما الموجة الجديدة في فرنسا، و من ممثلي هذه الحركة ، المخرج جون ليك قودار ، من خلال فيلمه  بيرو المجنون[6]، مثلا، و المخرج إيريك رومار، و ذلك من خلال فيلمه، الماركيزة 0[7] مثلا. و القائمة مفتوحة، لهؤلاء الّذين برعوا في الميدان السّينمائيّ، و نسجوا استيتيقا جديدة، تسمو بالصّورة الحسيّة، دون أن تتنكر لنشأتها و طبيعتها، بل على العكس من ذلك ،تحتفي بها و تجعلها أنموذجا، قد يفتح آفاقا جديدة للتدبر الفلسفيّ.

 

 [1] https://www.youtube.com/watch?v=nWeww4Jk2U8

[2] https://www.youtube.com/watch?v=dVwAdRXysjI

[3] https://www.youtube.com/watch?v=048SEBstzBM

[4] https://www.youtube.com/watch?v=n8rZrsKmzXQ&list=PL-oWmxj6f0fk77tkaaLXJnMny59Pw9OYo

[5] https://www.youtube.com/watch?v=XhatIunSJgE

[6] https://www.youtube.com/watch?v=TVvhJrrgfs0

[7] https://www.youtube.com/watch?v=U4DeBd0XLSQ